ابن أبي أصيبعة

326

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

المراسلات العجيبة والكتب البديعة الغريبة ولم يكن أحد منهم يؤلف كتابا ولا يبتدع رأيا إلا ويرد الآخر عليه ويسفه رأيه فيه وقد رأيت أشياء من المراسلات التي كانت فيما بينهم ووقائع بعضهم في بعض وسافر ابن بطلان من بغداد إلى ديار مصر قصدا منه إلى مشاهدة علي بن رضوان والاجتماع به وكان سفره من بغداد في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة ولما وصل في طريقه إلى حلب أقام بها مدة وأحسن إليه معز الدولة ثمال بن صالح بها وأكرمه أكراما كثيرا وكان دخوله الفسطاط في مستهل جمادى الآخرة من سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وأقام بها ثلاث سنين وذلك في دولة المستنصر بالله من الخلفاء المصريين وجرت بين ابن بطلان وابن رضوان وقائع كثرة في ذلك الوقت ونوادر ظريفة لا تخلو من فائدة وقد تضمن كثيرا من هذه الأشياء كتاب ألفه ابن بطلان بعد خروجه من ديار مصر واجتماعه بابن رضوان ولابن رضوان كتاب في الرد عليه وكان ابن بطلان أعذب ألفاظا وأكثر ظرفا وأميز في الأدب وما يتعلق به ومما يدل على ذلك ما ذكره في رسالته التي وسمها دعوة الأطباء وكان ابن رضوان أطب وأعلم بالعلوم الحكمية وما يتعلق بها وكان ابن رضوان أسود اللون ولم يكن بالجميل الصورة وله مقالة في ذلك يرد فيها على من عيره بقبح الخلقة وقد بين فيها بزعمه أن الطبيب الفاضل لا يجب أن يكون وجهه جميلا وكان ابن بطلان أكثر ما يقع في علي بن رضوان من هذا القبيل وأشباهه ولذلك يقول فيه في الرسالة التي وسمها دعوة الأطباء ( فلما تبدى للقوابل وجهه * نكصن على أعقابهن من الندم ) ( وقلن وأخفين الكلام تسترا * ألا ليتنا كنا تركناه في الرحم ) الطويل وكان يلقبه بتمساح الجن وسافر ابن بطلان من ديار مصر إلى القسطنطينية وأقام بها سنة وعرضت في زمنه أوباء كثيرة ونقلت من خطه فيما ذكره من ذلك ما هذا مثاله قال ومن مشاهير الأوباء في زماننا الذي عرض عند طلوع الكوكب الأثاري في الجوزاء من سنة ست وأربعين وأربعمائة فإن في تلك السنة دفن في كنيسة لوقا بعد أن امتلأت جميع المدافن التي في القسطنطينية أربعة عشر ألف نسمة في الخريف فلما توسط الصيف في سنة سبع وأربعين لم يوف النيل فمات في الفسطاط والشام أكثر أهلها وجميع الغرباء إلا من شاء الله وانتقل الوباء إلى العراق فأتى على أكثر أهله واستولى عليه